مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
153
تفسير مقتنيات الدرر
والمال إذا أنفقه الإنسان في وجوه الصلاح والبرّ بقي بقاء لا يمكن زواله ، بخلاف ما إذا بقي في يده كالمشرف على الهلاك والتلف لأنّه على كلّ حال لا يحمل معه إلى قبره وإذا أنفقه في طلب الرضوان فقد ذهب به إلى يوم القيامة ونفع المال يكون لذلك اليوم . ثمّ إنّ شكر النعمة عبارة عن صرف النعمة إلى رضاء المنعم ومرضاته على أنّه إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضور إنسان آخر محتاج فحينئذ للمالك سلطة وله حقّ لأنّه سعى في تحصيله واكتسابه وللفقير حقّ لاحتياجه فاقتضت الحكمة الإلهيّة إبقاء الأكثر للمالك والمكتسب واليسير منه للفقير وهو الزكاة ، ومعلوم أنّ المال الفاضل عن الحاجات الأصليّة إذا أمسكه الإنسان وحبسه في بيته بقي المال معطَّلا عن المقصود الَّذي لأجله خلق ، وذلك منع عن ظهور حكمة اللَّه وهو غير جائز . ثمّ إنّ الفقراء عيال اللَّه لقوله : « وَما مِنْ دَابَّةٍ ( فِي الأَرْضِ ) إِلَّا عَلَى ( اللَّه ِ ) رِزْقُها » « 1 » والأغنياء خزّان اللَّه لأنّ الأموال الَّتي في أيديهم أموال اللَّه ولولا أنّ اللَّه ألقاها في أيديهم ما ملكوا حبّة فكم عاقل يسعى ولا يملئ بطنه طعاما وكم أبله جلف تأتيه الدنيا صفوا وصحيح أنّ الملك أن يقول لخازنه اصرف شيئا من الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي . والمال إذا كان بالكلَّيّة في يد الغنيّ مع أنّه غير محتاج إليه ، وإهمال جانب الفقير العاجز عن الكسب لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم فوجب على الغنيّ صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير . ثمّ إنّ الأغنياء لو لم يقوموا بإصلاح الفقراء ربّما حملهم شدّة الحاجة على الالتحاق بأعداء المسلمين أو الإقدام على الأفعال القبيحة كالسرقة وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه الفوائد . قال صلى اللَّه عليه وآله : الإيمان نصفان صبر وشكر ، فالمال محبوب بالطبع فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر فأعطيتك أيّها الغنيّ المال والنعمة فإن شكرت وصرفت النعمة في رضاي فصرت من الشاكرين ، وبسبب فقدان بعض مالك في أداء الزكاة فصبرت على فقده فصرت من الصابرين ، وأما أنت أيّها الفقير ما أعطيتك المال فصبرت فصرت من الصابرين وحكمت على الغنيّ أن يصرف إليك طائفة من ذلك وأدخلته في ملكك وارتفعت حاجتك
--> ( 1 ) هود : 7 .